هذا المقال هو فصل في مسودة كتابي بإذن الله تعالى "حقيقة النسخ في القرآن الكريم"
بحث تفصيلي لإثبات عدم وجود آيات منسوخة في القرآن الكريم بمعنى إزالة حكم الآية من الشريعة أو إزالة الآية نفسها من القرآن.
مقال (1017) طرائق معرفة صحة الادعاء بالنسخ عند ابن حزم الظاهري الاندلسي
يقول ابن حزم: "...فلنقل في الوجوه التي بها يصح نسخ الآية أو الحديث فإذا عدم شيء من تلك الوجوه فقد بطلت دعوى من ادعى النسخ في شيء من الآيات أو الأحاديث. فإذا اجتمعت علماء الأمة كلهم بلا خلاف من واحد منهم على نسخ آية أو حديث فقد صح النسخ حينئذ فإن اختلفوا نظرنا فإن وجدنا الأمرين([1]) لا يمكن استعمالهما معا أو وجدنا أحدهما كان بعد الآخر بلا شك أو وجدنا نصا جليا على منسوخ ووجدنا نصا في ذلك من نهي بعد أمر أو أمر بعد نهي أو نقل من مرتبة إلى مرتبة على ما قدمنا فقد أيقنا بالنسخ مثل قوله عليه السلام نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ونهيتكم عن الانتباذ في الأسقية فانتبذوا وأباح الانتباذ في كل ظرف([2]) ومثل قول جابر كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار ومثل ما روي أنه رخص في الحجامة للصائم والترخيص لا يكون إلا بعد النهي والحجامة هكذا فعل الحاجم والمحجوم معا فهذان وجهان"([3]).
التعليق:
· تطرق ابن
حزم إلى طرائق إثبات النسخ في الآيات القرآنية أو في الحديث الشريف، فَذَكَرَ
وجوهًا محددة، وكان أولها من وجهة نظره؛ الإجماع اليقيني الذي لا يخالفه حتى عالم
واحد، أي أنه يشترط إجماع العلماء كلهم بلا خلاف من واحد منهم، وأضيف إلى ما قاله
ابن حزم؛ أنّ الإجماع لا بد أن يكون بعد الاتفاق على محل النزاع، وهو في حالتنا
معنى النسخ، وقد رأينا ما قرّره ابن تيمية وابن القيم وغيرهما أنّ كلمة النسخ
مجملة، أي تحتمل معاني كثيرة، وسوف نرى -لاحقًا بالتفصيل- أنّ معنى النسخ من جهة
اللغة؛ له الكثير من المعاني المتضادة، فمنه الإزالة ومنه التثبيت، ومنه النقل،
ومنه المسخ، ومنه التغيير، وغير ذلك من المعاني، وأيضًا رأينا أنّ معنى النسخ عند
الصحابة والتابعين يختلف عنه عند الأصوليين، فيعني عند الصحابة البيان والتفسير
ومطلق التغيير في دلالة الآية، بينما عند الأصوليين يعني رفع الحكم؛ أي إزالته إزالة تامة
نهائيّة، وبناء على ما قاله ابن حزم؛ في ضرورة إجماع
الأمة على نسخ الآية بلا خلاف من واحد منهم، نجد ابن حزم أنكر النسخ في آية المصابرة
في سورة الأنفال([4])
لعدم وجود إجماع على نسخها بالإضافة
إلى أسباب أخرى من وجهة نظره.
· وبالنسبة
لمسألة ضرورة الإجماع من غير معارضة من واحد من العلماء المعتبرين، فلم أجد آية
واحدة أجمع علماء المسلمين على نسخها.
· ثم
يقرّر ابن حزم؛ فإذا لم يكن هناك إجماع من الأمة على نسخ آية محددة، ننظر في
الطرائق الأخرى التي يصح معها النسخ، وأنّ من هذا الطرائق: أولًا
وجود تعارض حقيقي بين النصين؛ لا يمكن الجمع معه بين النصين، وبالرغم من
قول ابن حزم " أو وجدنا أحدهما كان
بعد الآخر بلا شك"، إلا أنّ معنى كلامه لا يستقيم إلا باعتبار
ضرورة المعرفة اليقينية
لأسبقية تاريخ النص الناسخ على المنسوخ من النصين المتعارضين، فمن المحال وجود
تعارض حقيقي بين آيتين، لأنّ الله تعالى يقول: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ
عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)}([5]).
· الطريقة
الثالثة لاعتبار صحة الادعاء بالنسخ: أن يكون هناك نصًا جليًّا بالنسخ، ومعه أمر
بعد نهي، أو نهي بعد أمر، أو نقل من مرتبة الى مرتبة.
· وبالنسبة
لقول ابن حزم "إن الترخيص لا يكون الا بعد النهي"، فلا أراه دقيقًا،
فقوله الرخصة تكون بعد
نهي صحيح؛ إذا عُرّفت الرخصة بأنها إباحة فعل كان محظورًا، أما إذا أُخذت الرخصة
بمعناها الأوسع، وهو التخفيف عن عزيمة سابقة، فلا يلزم أن تكون بعد نهي، بل قد
تكون بعد أمر واجب أو شديد؛ ومن أمثلته: تخفيف قيام الليل في سورة المزمل، ورخصة
الفطر للمريض والمسافر بعد فرض الصيام، ورخصة التيمم بعد الأمر بالوضوء والغسل،
وتخفيف ثبات الواحد للعشرة في القتال إلى ثبات الواحد للاثنين، فهذه كلها رخص بعد
أوامر، لا عن نواهٍ.
ويكمل ابن حزم كلامه: "...أو نجد
حالًا قد أيقنا بإبطالها وارتفاعها، وحالًا أخرى قد أيقنا
بنزولها ووجوبها ورفعها للحال الأولى، ثم جاء نص من قرآن أو حديث موافق للحال
المرفوعة التي قد سقطت بيقين، إلا أننا لا ندري هل جاء هذا
النص الموافق لتلك الحال المرفوعة قبل مجيء الحال الرافعة أو بعدها([6])،
فإذا كان مثل هذا ففرض ألا يترك ما أيقنا بوجوبه علينا، وصح عندنا لزومه
لنا، وحرم علينا أن نرجع إلى حال قد أيقنا بارتفاعها عنا، وصح عندنا
بطلانها، إلا بنص جلي راد لنا إلى الحالة الأولى، ورافع عنا الحالة الثانية،
ومن تعدى هذا فقد قفا ما لا علم له به، وترك الحق واليقين واستعمل الشك
والظنون، وذلك ما لا يحل أصلًا، فكيف وقول الله تعالى {إِنَّا نَحْنُ
نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)} سورة الحجر، وقوله تعالى
{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ
فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ
بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)}
سورة البقرة، وقوله تعالى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ
الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ
وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ
إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا
بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ
دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ
اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَحِيمٌ (3)} سورة المائدة، شواهد قاطعة بأنه لا يجوز البتة أن يكون الله تعالى
تركنا في عمياء وضلالة لا ندري معها أبدا هل هذا الحكم منسوخ أو غير منسوخ،
هذا أمر قد أمّنّا وقوعه أبدا إذ لو كان ذلك لكان الدين قد بطل أكثره، ولكننا
في شك متصل؛ لا ندري أنعمل بالباطل في نصوص كثيرة من القرآن والسنن أم نعمل بالحق،
وهل نحن في طاعات كثيرة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم على ضلال أو على هدى،
حاشا لله من هذا، فصح يقينا إن حكم تيقنًا بطلانه فهو باطل أبدا بلا شك حتى
يأتي نص ثابت بأنه قد عاد بعد بطلانه هكذا ولا بد وإلا فلا، والحمد لله رب
العالمين"([7]).
التعليق:
· بهذا
النص يؤكد ابن حزم على الانكار الشديد للادعاء بنسخ نص يتنناقض مع غيره – إن وُجِدَ
– مع عدم المعرفة اليقينية لتاريخ النصوص، وهذا في حال عدم وجود الطرائق الأخرى التي
ذكرها وهي: نص جلي بالنسخ، أو إجماع الأمة من غير تخلف واحد من العلماء.
· تطرق
ابن حزم لمسألة دقيقة في آخر كلامه، أننا قد نتيقن أنّ هناك حالًا شرعية أُوْلى قد
بطلت وارتفعت، بدليل شرعي لاحق، ثم نجد نصًا يوافق الحالة الأولى، لكننا لا ندري
تاريخ هذا النص؛ هل صدر هذا النص الذي وافق الحالة الأولى قبل قيام الحالة
الثانية؟ أم صدر بعدها؟ فما العمل؟ فيرى ابن حزم أننا نبقى على الحال الثانية الناسخة
المتيقنة، ولا نرجع إلى الأولى المنسوخة لمجرد وجود نص محتمل
التاريخ؛ لأننا تيقنا أنّ الحال الأولى قد ارتفعت، وأنّ
الحال الثانية قد ثبتت وصارت واجبة الاتباع، ولكننا لا نعرف هل النص الموافق
للأولى سابق أو لاحق بالنسبة للحالة الثانية الرافعة يقينًا، فلا
يجوز ترك الحال الثانية اليقينية والرجوع إلى الأولى المحتملة، ولا نرجع
إلى الحال الأولى إلا إذا جاء نص جلي يردنا إلى الحالة الأولى ورافع
عنا الحالة الثانية، وهذا من أدق تطبيقات قاعدة اليقين عند ابن حزم.
· كما
يرى ابن حزم أنّ الله تعالى قد حفظ الشريعة مكتملة، فلا يمكن أن يترك الله الأمة
في حالة لا تدري معها أي النصوص واجبة؟ وأيها منسوخة؟ وما الحكم الأخير؟ وهل نطيع
هذا النص أم نتركه؟ لو كان الناسخ والمنسوخ مجهولين على وجه لا يمكن حسمه، لزم أن
يكون المكلَّف معرضًا دائمًا لأن يعمل بحكم منسوخ، أو يترك حكمًا واجبًا، وهذا عند
ابن حزم يناقض حفظ الذكر، وإكمال الدين، فالله لا يكلف الناس بدين ثم يجعل الحكم
النهائي مجهولًا لا سبيل إلى معرفته، فالأحكام التي تلزم الأمة لا بد أن يكون طريق
معرفتها متاحًا وواضحًا، فلا يجوز عقلًا أن يكون هناك نصان متعارضان حقيقة، ولا
نستطيع معرفة أيهما المتأخر، ثم نكون مع ذلك مكلفين بمعرفة الناسخ والعمل به، لأنّ
هذا تكليف بما لا يمكن العلم به، ولهذا يقول ابن حزم إنّ الله أمَّن
الأمة من هذا الوضع؛ فإما أن يمكن الجمع بين النصين، أو يثبت
تاريخ أحدهما، أو يرد نص صريح، أو يبقى الحكم المتيقن
ولا يترك بالشك، فكل نص من القرآن أو السنّة واجب
الطاعة، من ادعى نسخه بلا يقين فقد أسقط وجوب العمل به، فلا تقبل دعوى النسخ إلا
ببرهان يقيني.
· والواقع
أننا أصبحنا في الحال المؤسفة التي يصفها ابن حزم، فبالرغم من أنّ ابن حزم يرى أنّ
عدد الآيات المنسوخة بيقين 214 آية - وبالقطع يرى ذلك من وجهة نظره – إلا أنّ غيره
من العلماء يرى خلاف ما قرره ابن حزم في عدد الآيات المنسوخة، فغيره يراها أكثر من
ذلك، حيث تعدت 500 آية، بل قال البعض إنها بلا حصر، طالما ادعوا النسخ للآيات التي
تحتوي فقط على أخبار، ووعد ووعيد، وليس فيها أحكام شرعية عملية، وآخر يراها أقل
مثل السيوطي؛ فيراها 20 فقط، وابن الجوزي يراها 22 فقط، وبعضها لم يجزم ابن الجوزي
بنسخها كلها، واعترض ولي الله الدهلوي على 16 منها، ود.مصطفى زيد يراها خمسًا فقط،
ود.محمد عمارة، ود.أحمد حجازي السقا، ود.عبد المتعال الجبري، وغيرهم، لا يرون هناك
آية واحدة منسوخة، وهذا يجعل المسلمين في نفس الوضع المؤسف الذي وصفه ابن حزم، فأين
اليقين في أدلة من قال بالنسخ؟ لو كان هناك يقينًا فهل لم يره بقية العلماء؟
في الحقيقة بعدما انتهيت من مناقشة الآيات التي يُدّعى عليها بالنسخ، لم أجد آية واحدة منسوخة بيقين بالمعنى الاصطلاحي؛ أي محو وإعدام وإبطال حكمها، والله على ما أقول شهيد.
د.إبراهيم بدوي
6-8-2026
([3]) كتاب (الإحكام في أصول الأحكام) لابن حزم الجزء 4 صفحة 84 تحت
العنوان: "فصل في كيف يعلم المنسوخ والناسخ مما ليس منسوخًا".
كتاب: (الإحكام في أصول الأحكام)، المؤلف:
أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري (المتوفى: 456هـ)،
المحقق: الشيخ أحمد محمد شاكر، قدم له: الأستاذ الدكتور إحسان عباس، الناشر: دار
الآفاق الجديدة، بيروت، عدد الأجزاء: 8".
([4]) يقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ
الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ
يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ
الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) الْآنَ خَفَّفَ
اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ
صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا
أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66)} سورة الأنفال.
تعليقات
إرسال تعليق