مقال (587) هل يكون فيض بعض الانبياء ناقصا
كما يدعي الميرزا غلام؟
https://ibrahimbadawy2014.blogspot.com/2026/01/587.html
الفصل الخامس من الباب الاول من الجزء
الثامن من كتاب حقيقة الطائفة الاحمدية القاديانية
الردعلى قول الميرزا غلام
"فيض الناقص يكون ناقصا"
يقول الميرزا: "...ولهذا السبب
قد شُبِّه المسيح في البيان التمثيلي بالابن، بسبب النقص الذي
بقي فيه. ذلك لأن الحقيقة العيسوية ليست مظهر أتم الصفات الألوهية، بل
هي فرع من فروعها، على عكس الحقيقية المحمدية؛ لأنها مظهرٌ أتم
وأكمل لجميع الصفات الإلهية. وإثبات ذلك قد بلغ الكمال عقلًا
ونقلًا. ولذلك قد شُبِّه حضرته ظليا – في البيان التمثيلي الوارد في
الأسفار السماوية - بالله القادر ذي الجلال، وهو بمنزلة الأب للابن.
وإضافة إلى ذلك فإنّ سبب كون تعليم المسيح عليه السلام ناقصًا وكون تعليم القرآن
الكريم أكمل وأتم من جميع التعاليم الإلهامية يرجع في الحقيقة إلى أن فيض الناقص
يكون ناقصًا وفيض الأكمل يكون أكملَ"([1]).
قول الميرزا غلام "فيض الناقص
يكون ناقصا" قول فاسد، فلا يصح أن يوصف سيدنا عيسى عليه السلام، أو أيّ نبيٍّ
بأنه ناقص الفيض، أو أنّ كتابه كان ناقصًا، بل كل كتب الله تعالى كانت كاملة
مناسبة لحاجة العصر، وأنه لا يصح وصف نتائج أعمال الأنبياء الذين لم يؤمن بهم أحد،
أو آمن بهم قلة من الناس؛ أنّ فيضهم كان ناقصًا، فما على الرسول إلا البلاغ.
وأما بالنسبة لعلاقة الأنبياء وفيوضهم
بالأتْباع، فالنصوص التالية؛ تبين تضارب فكر الميرزا غلام في هذه المسألة، فمن جهة
يؤمن بأنّ النبيّ الذي ليس فيه صفة الإفاضة لا يقوم دليل على صدقه، ومن جهة أخرى
يؤمن بأنه لا علاقة لازمة بين فيوض الأنبياء وبين أتباعهم، فيرى الميرزا أنّ نور
الأنبياء كنور الشمس يشرق على الكل، والأتباع مثل المواد المختلفة الشفافية، فمنهم
الشفاف كالزجاج؛ فيغشاه النور بالكامل، ومنهم الأقل شفافية، ومنهم المعتم الذي لا
تخترقه أشعة الشمس؛ فلا يستفيد منها شيئًا.
والأحاديث التالية تبين
أنّ هناك من الأنبياء من يأتي يوم القيامة وليس معه تابعٌ واحد، أي لم يؤمن به
أحد، فهل هذا يقلل من كفاءة النبي!
1- "عُرِضَتْ
عَلَيَّ الأُمَمُ، فأخَذَ النبيُّ يَمُرُّ معهُ الأُمَّةُ، والنبيُّ يَمُرُّ معهُ
النَّفَرُ، والنبيُّ يَمُرُّ معهُ العَشَرَةُ، والنبيُّ يَمُرُّ معهُ
الخَمْسَةُ، والنبيُّ يَمُرُّ وحْدَهُ، فَنَظَرْتُ فإذا سَوادٌ
كَثِيرٌ، قُلتُ: يا جِبْرِيلُ، هَؤُلاءِ أُمَّتِي؟ قالَ: لا، ولَكِنِ انْظُرْ إلى
الأُفُقِ، فَنَظَرْتُ فإذا سَوادٌ كَثِيرٌ، قالَ: هَؤُلاءِ أُمَّتُكَ، وهَؤُلاءِ
سَبْعُونَ ألْفًا قُدّامَهُمْ لا حِسابَ عليهم ولا عَذابَ، قُلتُ: ولِمَ؟ قالَ:
كانُوا لا يَكْتَوُونَ، ولا يَسْتَرْقُونَ، ولا يَتَطَيَّرُونَ، وعلَى رَبِّهِمْ
يَتَوَكَّلُونَ فَقامَ إلَيْهِ عُكّاشَةُ بنُ مِحْصَنٍ، فقالَ: ادْعُ اللَّهَ أنْ
يَجْعَلَنِي منهمْ، قالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ منهمْ ثُمَّ قامَ إلَيْهِ رَجُلٌ
آخَرُ قالَ: ادْعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَنِي منهمْ، قالَ: سَبَقَكَ بها
عُكّاشَةُ"([2]).
"ما صُدِّق نَبيٌّ ما صُدِّقْتُ
إنَّ مِن الأنبياءِ مَن لمْ يُصَدِّقْه مِن أمَّتِه إلَّا رجُلٌ واحدٌ"([3]).
2- ما قاله الميرزا بخصوص
تناسب الإفاضة مع صدق الأنبياء:
يقول الميرزا غلام: " النبيّ
الذي ليس فيه صفة الإفاضة لا يقوم دليل على صدقه، ولا يعرفه من أتى وليس
مثله إلا كمثل راع لا يهش على غنمه ولا يسقي ويبعدها عن الماء والمرعي"([4]).
ويقول الميرزا أيضًا في معرض بيان
إفاضة سيدنا مُحَمّد ﷺ إلى الأمة: "...وليكن معلوما أن انعكاس النور الذي يقع
بطريق الإفاضة الدائمة على النفوس المنزهة من الأمة المحمدية يؤدي إلى أمرين
عظيمين. أولًا: يظهر بذلك الكمال العظيم للنبيّ ﷺ، لأنّ السراج الذي
يمكن أن يضاء به سراج آخر خير من الذي لا يضاء به أي سراج. ثانيًا: أن
هذه الإفاضة تثبت كمال هذه الأمة وأفضليتها على الأمم
الأخرى"([5]).
3- نصوص
الميرزا التي تبين أنه لا علاقة بين صدق النبي وكماله ودرجة فيضه من جهة، وبين من
استفادوا من فيضه:
يقول الميرزا: "بل
إن قانون الله القديم الجاري منذ الأزل الذي جربه المتقون والصادقون دائما ولا
يزالون يجربون حقائقه نفسها بتجارب صحيحة هو أن الذي يخرج من حجب مظلمة ويتوجه
بروحه إلى الله تعالى ويخر على عتباته، ينزل عليه فيض رحمة الله الخالصة..."([6]).
ويقول الميرزا: "...ولكن
لا خطأ في ذلك للنبيّ المتبوع، بل الحق أن مدعي الاتّباع مصاب بآفة الإعراض
الظاهري أو المعنوي"([7]).
ويقول الميرزا: "...إنّ المنجّي([8]) الصادق
من الله تعالى؛ هو الذي ينال المرء النجاة الحقيقية نتيجة اتباعه الصادق له. بمعنى
أنه مَن أودع الله كلامه بركة حتى ينجو متَّبعه الكامل من ظلمات النفس والأدناس
البشرية، وتتولد فيه أنوار يتحتّم نشوؤها في القلوب الطاهرة. غير أنه إذا
كان المتّبع مقصرا في الاتباع فلن تزول ظلمات نفسه ولن تظهر الأنوار الباطنية، ولكن
لا خطأ في ذلك للنبيّ المتبوع، بل الحق أن مدعي الاتباع مصاب بآفة الإعراض
الظاهري أو المعنوي، ومحروم ومحجوب بسبب إعراضه هذا. هذه هي العلامة الحقيقية التي
بسببها لا يبقى الإنسان محتاجا للقصص والحكايات
السابقة، بل
يعرف([9]) الهادي
الصادق والمُفيض
الحقيقي بنفسه بكونه طالب حق"([10]).
ويقول الميرزا: "فما من سبيل أفضل
لطالب حقٍ من أن يعتنق هذا الدين الجليل بواسطة أحد من أهل البصيرة والمعرفة،
ويختار
لنفسه اتّباع كلام الله وحب النبيّ ﷺ ليرى بأم
عينه صدق كلامنا هذا. أما إذا توجه إليّ بصدق الطوية للحصول على هذا المرام، فأقول
متوكلا على الله بفضله ورحمته بأني جاهز لأرشده
إلى طريق الاتّباع، ولكن ذلك مشروط بفضل الله تعالى وكفاءة
السائل الشخصية"([11]).
ويقرّ الميرزا بعدم مسؤولية الداعي إلى الله
تعالى بالنسبة لاقتناع الناس بما يجيء به، وإنما عليه تبليغهم بالرسالة المكلف بها
بأفضل ما يمكنه ذلك.
يقول الميرزا: " لا أهتم في هذا
الموضوع تبيان مدى تأثيره في القلوب، بل ما أهدف إليه هو أن أؤدي ما يتحتم علي
أداؤه، وأن أبلغ حق التبليغ رسالة كلفت بتبليغها كدين واجب التسديد، سواء أسمعها
الناس بآذان الرضا أو رأوها بعين الكراهية والإعراض، وسواء أظنوا بي
ظنا حسنا أو سيئا. وأفوض أمري إلى الله، والله بصير بالعباد"([12]).
التعليق على النصوص السابقة:
إذا كان الفيض هو الفيض، وكانت فيوض الله
تعالى على خلقه كما يدعي الميرزا، لا تكون إلا بعد توجه الإنسان إلى الله تعالى
لينال هذه الفيوض، وإذا كان المنجّي الصادق لم يكن صدقه مشروطًا بالإفاضة على
غيره، بل المشكلة فيمن أرسل إليهم النبيّ، ولكن المستقبِل للفيض النبوي يختلف من
واحد لآخر؛ هل عندهم استعداد أم لا، فهل يصح أن نعتبر نبيًّا؛ أنه بفيض ناقص، أو
بلا فيوض بسبب عدم وجود أتباع له؟ وهل هذا ينقص من كفاءته
شيئا؟!
([1]) كتاب (الكحل لعيون الآريا) 1886م صفحة 251.
([2]) خلاصة حكم المحدث: [صحيح]، الراوي: عبدالله بن عباس، المحدث:
البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 6541 التخريج: أخرجه البخاري
(6541)، ومسلم (220).
([3]) خلاصة حكم المحدث: أخرجه في صحيحه، الراوي: أنس بن مالك، المحدث:
ابن حبان، المصدر: صحيح ابن حبان، الصفحة أو الرقم: 6243 التخريج: أخرجه البيهقي
في ((دلائل النبوة)) (7/129) باختلاف يسير، ومسلم (196)، وابن أبي شيبة (32308)،
باختلاف يسير وزادا في أوله: «أنا أول شفيع في الجنة.
([4]) كتاب (الاستفتاء) 1907م صفحة 22.
([5]) كتاب (البراهين الأحمدية) 1884م الجزء 4 صفحة 492.
([8]) يقصد الأنبياء والأولياء الذين يعملون على نجاة بني آدم من غضب
الله.
([9]) يقصد طالب الحق الباحث عن المنجّي الصادق.
([10]) المصدر السابق صفحة 492.
([11]) المصدر السابق صفحة 494.
([12]) كتاب (فتح الإسلام) 1891م صفحة 7.
تعليقات
إرسال تعليق