مقال (1004) ما هو رأي ابن الجوزي في بعض العلماء الذين أفرطوا في ادعاء النسخ في الكثير من آيات القرآن الكريم؟
وهذا هو نص كلام ابن الجوزي:
يقول
ابن الجوزي([1]) في مقدمة كتابه (نواسخ القرآن)([2]):
"...أما بعد: فإن نفع العلم بدرايته لا بوراثته وبمعرفة أغواره لا بروايته وأصل
الفساد الداخل على عموم العلماء تقليد سابقيهم، وتسليم الأمر إلى معظميهم، من غير بحث عما صنفوه
ولا طلب للدليل عما ألفوه. وإني رأيت كثيراً من المتقدمين على كتاب الله
عزوجل بآرائهم الفاسدة، وقد دسوا في تصانيفهم للتفسير أحاديث باطلة وتبعهم على
ذلك مقلدوهم، فشاع ذلك وانتشر، فرأيت العناية بتهذيب علم التفسير عن الأغاليط
من اللازم...ثم إني رأيت الذين وقع منهم التفسير صحيحاً قد صدر عنهم ما هو أفظع
فآلمني وهو الكلام في الناسخ والمنسوخ، فإنهم أقدمواعلى هذا العلم فتكلموا فيه،
وصنفوه، وقالوا بنسخ ما ليس
بمنسوخ، ومعلوم أن نسخ الشيء، رفع حكمه وإطلاق القول برفع حكم آية لم يرفع جرأة
عظيمة. ومن نظر في كتاب (الناسخ والمنسوخ) للسدّي([3])
رأى من (التخلط)
العجائب، ومن قرأ في كتاب هبة الله([4])
المفسر رأى العظائم.
وقد تداوله الناس لاختصاره، ولم (يفهموا) دقائق أسراره فرأيت كشف هذه الغمة عن الأمة ببيان إيضاح
الصحيح، وهتك ستر القبيح، متعيناً على من أنعم الله عليه بالرسوخ في العلم
وأطلعه على أسرار النقل، واستلب زمامه من أيدي التقليد فسلمه إلى يد الدليل فلا يهوله قول معظم، فكيف بكلام جاهل
مبرسم.و قد قدمت أبواباً قبل الشروع في بيان الآيات هي كالقواعد
والأصول للكتاب ثم أتيت بالآيات المدعى عليها النسخ على ترتيب القرآن إلا أني
أعرضت عن ذكر آيات أدعي عليها النسخ من حكاية لا تحصل إلا تضييع الزمان أفحش تضييع
كقول السدّي: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ}([5])
نسخها {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ}([6])
وقوله: {وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ}([7])
نسخها {قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً}([8])
وقوله: {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ}([9])
نسخها {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ}([10])
وقوله: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ}([11])
نسخها {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا}([12])
وقوله: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ}([13]) نسخها {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ}([14]) في
نظائر كثيرة لهذه الآيات، لا أدري أي الأخلاط الغالبة حملته على هذا التخليط. فلما كان مثل هذا ظاهر الفساد،
وريت عنه غيرةً على الزمان أن يضيع، وإن كنت قد ذكرت مما يقاربه طرفاً، لأنبه
بمذكوره على مغفله،...ولما رأيت المصنفين في هذا العلم، قد تباينوا، فمنهم من أطال
بما لا حاجة بمثل هذا التصنيف إليه، ومنهمِ من قلد القائلين ولم يحكم على الاختلاف ببيان الصواب،
منهم من نقص بحذف ما يحتاج إليه أتيتك بهذا الكتاب متوسطاً،
وحذفت كثيراً من الأسانيد الطرق خوف الملل والله ولي التوفيق".
وإذا كان هذا هو رأي عالم كبير من علماء المسلمين، فلا تلوموا من يبحث في النصوص والأصول ليرى هل وقع النسخ بمعنى الازالة بالفعل؟
د.إبراهيم أحمد علي بدوي
6/6/2026
المقال التالي بإذن الله تعالى سيكون في رأي ابن تيمية في بعض الآيات التي يُدّعى أنها منسوخة، وإثباته بالادلة انها ليس منسوخة، وبيانه لقصد الصحابة والتابعين بمعنى النسخ عندهم، وأنه يختلف كثيرا عن قصد ومعنى النسخ عند الأصوليين.
المقال (1001) مقدمة كتابي (حقيقة النسخ في القرآن الكريم).
https://ibrahimbadawy2014.blogspot.com/2026/06/blog-post.html
مقال (1002) التعريف الأصولي للنسخ، وما يستفاد منه لتحديد شروط اعتبار الآية القرآنية منسوخة.
https://ibrahimbadawy2014.blogspot.com/2026/06/1002.html
مقال (1003) لماذا من المحال أن يكون في القرآن آيات منسوخة؟
https://ibrahimbadawy2014.blogspot.com/2026/06/1003.html
([1]) ابن الجوزي
هو جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي، عالم حنبلي بغدادي من كبار
علماء القرن السادس الهجري، وُلد نحو سنة 510هـ وتوفي سنة 597هـ. برع في التفسير
والحديث والفقه والوعظ والتاريخ، واشتهر بكثرة مؤلفاته وسعة اطلاعه، ومن أشهر كتبه: زاد
المسير، وتلبيس إبليس، وصيد
الخاطر، والموضوعات،
والمنتظم.
([2]) كتاب (نواسخ القرآن) صفحة 101.
الكتاب: نواسخ القرآن = ناسخ القرآن ومنسوخه،
المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: 597هـ)،
تحقيق: محمد أشرف علي المليباري، وأصله رسالة ماجستير - الجامعة الإسلامية -
الدراسات العليا - التفسير - 1401هـ، الناشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة
الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، عدد الأجزاء: 1، الطبعة:
الثانية، 1423هـ/2003م.
([3]) أما السدّي؛ فهو: إسماعيل بن عبد الرحمن المتوفى سنة: (281هـ)
صاحب التفسير والمغازي، والسير، وهو ثقة عند مسلم وأصحاب السنن الأربعة،
بدليل أنهم أخرجوا له، وكذلك ابن حبان فقد ذكره من الثقات، وقال حسين بن واقد:
"سمعت السدي فأقمت حتى سمعته يتناول أبا بكر وعمر فلم أعد إليه". وحكي
عن أحمد: "أنه ليحسن الحديث إلا أن هذا التفسير الذي يأتي به قد جعل له
اسناداً واستكلفه". وقال الطبري: "إنه لا يحتج بحديثه". وأما كتاب
السدي المذكور، فلم أعثر عليه بعد. انظر: التهذيب1/ 313؛ والجرح والتعديل2/ 184 -
185.
تعليقات
إرسال تعليق