نقل الشيخ حسين علي الحربي في كتابه (قواعد الترجيح عند المفسرين) نصوصًا مهمة للشيخ ابن
تيمية([1]) ؛ حيث يقرّ فيه الشيخ بن تيمية أنه قد تَنْزِلُ
آية قرآنية لاحقة لبيان أنّ ما فهمه بعض الناس من دلالات آية سابقة من
القرآن الكريم لم يكن هو مراد الله تعالى، وليس في الآيات اختلاف وتضاد،
وبالتالي ينتفي النسخ بين الآيات، يقول الشيخ حسين الحربي: "...كان
للصحابة والتابعين اصطلاح خاص في مسألة النسخ، فمفهوم النسخ عندهم أعمّ([2])
من مفهومه عند الأصوليين والفقهاء والمحدِّثين، وما استقر عليه الأمر بعد ذلك في
هذا المصطلح. فكل تغيير في أحوال النص اعتبره السلف نسخًا، سواء أكان رفع حكم
ليحل آخر مكانه، أو تخصيص عام، أو تقييد مطلق، أو تبيين مجمل، أو استثناء، أو رفع
ظن في دلالة الآية على معنى([3]). كل ذلك عندهم
داخل في مفهوم النسخ"([4])..قال
شيخ الإسلام ابن تيمية: "و(فصل الخطاب): أنّ لفظ (النسخ) مُجْمَل، فالسلف
كانوا يستعملونه فيما يظن دلالة الآية عليه، من عموم أو إطلاق أو غير ذلك،
كما قال من قال: إن قوله: {اتقوا الله حق تقاته}([5])، و{وجاهدوا في
الله حق جهاده}([6])،
نُسِخ بقوله: {فاتقوا الله ما استطعتم}([7])، وليس بين
الآيتين تناقض، لكن قد يفهم بعض الناس من قوله {حقَّ تُقاته} و{حقَّ
جهاده} الأمرَ بما لا يستطيعه العبد، فينسخ ما فهمه هذا، كما ينسخ الله ما
يُلقي الشيطان، ويحكم الله آياته. وإن لم يكن نسخ ذلك نسخَ ما
أنزله، بل نسخ ما ألقاه الشيطان، إما من الأنفس أو من الأسماع أو من
اللسان. وكذلك ينسخ الله ما يقع في النفوس من فهم معنى([8])،
وإن كانت الآية لم تدل عليه، لكنه محتمل؛ وهذه الآية من هذا الباب؛ فإنّ
قوله..{وإن تُبدوا ما في أنفسكم} الآية، إنما تدل على أن الله يُحاسب بما في
النفوس، لا على أنه يُعاقب على كل ما في النفوس، وقوله..{لِمَن يشاء} يقتضي
أن الأمر إليه في المغفرة والعذاب، لا إلى غيره([9]).
ويضيف ابن تيمية بيانًا لمعنى النسخ عند السلف،
ورأيه في نسخ الآية {لِلَّهِ
مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي
أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ
يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284)}([10])
فيقول: "...ولما كان
تصرّفه شرطًا في خلقه لا يخرج عن العدل والإحسان، وهو تصرّف بخلقه وأمره، وأخبر أن
ما في السماوات وما في الأرض ملكه، فما تصرّف خلقًا وأمرًا إلا في ملكه الحقيقي،
وكانت سورة البقرة مشتملة على مشتملات من الأمر والخلق على ما لم يشتمل عليه سورة
غيرها، أخبَرَ أنّ ذلك صدر منه في ملكه. قال تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ
أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ}([11])،
فهذا متضمن لكمال علمه سبحانه وتعالى بسرائر عباده وظواهرهم، وأنه لا يخرج شيء من
ذلك عن علمه، كما لم يخرج شيء ممن في السماوات والأرض عن ملكه، فعلمه عام وملكه
عام. ثم أخبر عن محاسبته
لهم بذلك، وهي تعريفهم ما أبدوه أو أخفوه، فتضمن ذلك علمه بهم
وتعريفهم إياه. ثم قال: {فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ
يَشَاءُ}، فتضمن ذلك قيامه عليهم بالعدل والفضل؛ فيغفر لمن يشاء فضلًا، ويعذب من
يشاء عدلًا، وذلك يتضمن الثواب والعقاب المستلزم للأمر والنهي، المستلزم للرسالة
والنبوة...فتضمنت الآية هذه المعارف كلها بأوجز عبارة، وأفصح لفظ، وأوضح معنى.
وقد عُرف بهذا أن الآية لا تقتضي
العقاب على خواطر النفوس المجردة، بل إنما تقتضي محاسبة الرب عبده بها([12])،
وهو أعم من العقاب، والأعم لا يستلزم الأخص. وبعد
محاسبته بها يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء. وعلى هذا فالآية محكمة لا نسخ فيها،
ومن قال من السلف: "فنسخها ما بعدها"، فمراده بيان معناها والمراد
منها، وذلك يسمى نسخًا في لسان السلف، كما يسمون الاستثناء
نسخًا"([13]).
ويؤكد ابن تيمية في صفحة 83 معنى النسخ الذي
قال به ابن عباس رضي الله عنهما فيقول: "ثم قال تعالى: {لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها}([14])،
فنفى بذلك ما توهموه من أنه يعذبهم بالخطرات التي لا يملكون دفعها،
وأنها داخلة تحت تكليفه، فأخبرهم أنه لا يكلفهم إلا وسعهم، فهذا هو البيان الذي
قال فيه ابن عباس وغيره: "نسخها الله عنهم بقوله: {لا يكلف الله نفسًا
إلا وسعها}"، وقد
تضمن ذلك أن جميع ما كلفهم به أمرًا ونهيًا فهم مطيقون له، قادرون عليه، وأنه لم
يكلفهم ما لا يطيقون، وفي ذلك رد صريح على من زعم خلاف ذلك"([15]).
إذن ابن تيمية يرى أنّ الآية المتأخرة زمنًا([16])
[التي يقال إنها ناسخة] جاءت لبيان المراد من آية سابقة عليها في الزمن([17])
[أي التي يقال إنها منسوخة]، فالسلف كانوا يستعملون كلمة النسخ فيما يرون أنه يبيّن
دلالة الآية، أي أنّ الآية اللاحقة نسخت الآية السابقة؛ بمعنى أنها بيّنت المراد
من الآية الأولى، ولم يكن كل استعمالهم لكلمة النسخ بمعنى إزالة أو إلغاء لحكم
الآية المنسوخة.
المقال (1001) مقدمة كتابي (حقيقة النسخ في القرآن الكريم).
https://ibrahimbadawy2014.blogspot.com/2026/06/blog-post.html
مقال (1002) التعريف الأصولي للنسخ، وما يستفاد منه لتحديد شروط اعتبار الآية القرآنية منسوخة.
https://ibrahimbadawy2014.blogspot.com/2026/06/1002.html
مقال (1003) لماذا من المحال أن يكون في القرآن آيات منسوخة؟
https://ibrahimbadawy2014.blogspot.com/2026/06/1003.html
([2]) أي يشمل -كما سنرى- البيان لما أُبْهِم من دلالة الآية المنسوخة،
أو يشمل الادعاء بانتفاء حكم الآية المنسوخة.
([8]) أفهمُ من كلام ابن تيمية؛ أنه يرى أنّ إلقاء الشيطان الذي ينسخه
الله تعالى بعد ذلك؛ لم يكن بإضافة كلام من الشيطان لكلام الله تعالى، ولكن ألقى
الشيطان في النفوس فهمًا غير صحيح للآيات القرآنية، فينسخُ الله تعالى هذا الفهم
الخطأ بأن يُنزل الله تعالى آيات إضافية تبيّن حقيقة مراد الله تعالى من الآيات
التي فُهِمت بالخطأ، أو على غير مراد الله تعالى، وإن كانت محتملة.
([12]) الحديث التالي الصحيح في البخاري يوضح ما يقصده ابن تيمية في
الفرق بين المحاسبة والعقاب:
"بينَما أنا أمشي مع ابنِ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنهما آخِذٌ بيَدِه، إذ
عَرَضَ رَجُلٌ، فقال: كيفَ سَمِعتَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ في
النَّجوى؟ فقال: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: إنَّ اللهَ
يُدني المُؤمِنَ فيَضَعُ عليه كَنَفَه ويَستُرُه، فيَقولُ: أتَعرِفُ ذَنبَ كَذا؟
أتَعرِفُ ذَنبَ كَذا؟ فيَقولُ: نَعَم، أي رَبِّ، حتَّى إذا قَرَّرَه بذُنوبِه،
ورَأى في نَفسِه أنَّه هَلَك، قال: سَتَرتُها عليك في الدُّنيا، وأنا أغفِرُها لك
اليَومَ، فيُعطى كِتابَ حَسَناتِه، وأمَّا الكافِرُ والمُنافِقونَ، فيَقولُ
الأشهادُ: {هؤلاء الذينَ كَذَبوا على رَبِّهم ألا لَعنةُ اللهِ على الظَّالِمينَ}
[هود: 18]، خلاصة حكم المحدث: [صحيح]، الراوي: عبدالله بن عمر، المحدث: البخاري، المصدر:
صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 2441 التخريج: أخرجه مسلم (2768) باختلاف يسير.
تعليقات
إرسال تعليق