مقال (591) معارضة الميرزا غلام للقرآن الكريم في مسألة صلب المسيح.
https://ibrahimbadawy2014.blogspot.com/2026/02/591.html
من المبادئ التي يتبناها الميرزا غلام أنّه لا
يُسمح لأحد بتفسير آيات القرآن الكريم برأيه، ولكن يفسر القرآن من خلال ما ورد في آيات
أخرى متواترة من القرآن الكريم، والأحاديث المتصلة الصحيحة المرفوعة لسيدنا
مُحَمّد صلى الله عليه وسلم، لأنه من نزل عليه الوحي، وهو الأوْلى بمعرفة دلالة
كلام الله تعالى على حقيقتها، وقد جاء رأي الميرزا غلام ذلك في كتاب (الديانة
الآرية) 1895 صفحة 99 و106 و107، وتفصيل ما قاله الميرزا غلام في المقال التالي:
مقال (501)
بيان بالكتب التي يعتبرها الميرزا غلام مَوْثُوُقٌ ومُعْتَرٌف ومُسَلَّمٌ بها وأثر
ذلك على أدلة الميرزا غلام والأحمديين لإثبات عقيدتهم.
https://ibrahimbadawy2014.blogspot.com/2022/12/501.html
وأما بالنسبة لمعارضة الميرزا غلام لكلام الله
تعالى، فإنّ الله تعالى قال إنه كفّ بني إسرائيل عن سيدنا عيسى عليه السلام، وأنه
لم يُصلب، أي لم يُعلق على الصليب، ولم يُقتل، بل رفعه الله تعالى إليه، ولكننا
نجد الميرزا غلام يقول بخلاف ما جاء في القرآن الكريم، حيث يقول الميرزا غلام إنّ سيدنا عيسى عليه السلام تم تعليقه على الصليب من غير قتل.
ويستند الميرزا غلام في رأيه هذا من خلال
ثبوت التواتر التاريخي([1])
أنّ سيدنا عيسى عليه
السلام تم تعليقه على الصليب، كما يستند إلى نصوص من
الأناجيل المحرفة، فهل يصح ترك القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة لكلام
تاريخي لا دليل قطعي عليه؟ أو لنصوص يقر الميرزا غلام نفسه أنها
محرفة، بل لم يكتبها سيدنا
عيسى عليه السلام؟
فالآية التالية تثبتُ يقينًا أنّ الله تعالى
منع اليهود من أن يتمكنوا من إيذاء سيدنا عيسى عليه السلام.
يقول الله
تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ
وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي
الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ
وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي
فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ
وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ
كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ
فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (110) } سورة
المائدة.
يتضح لنا
من الآية السابقة أنّ الله تعالى كان يذكر النعم التي أنعمها على سيدنا عيسى عليه السلام، ومنها أنه عز وجل كفّ بني إسرائيل عنه،
أي منعهم من الوصول إليه، أو إيذائه بأي شكل، فلو كان من الممكن أن يصلوا إليه
عليه السلام ويعلقوه على الصليب، فكيف نفهم نعمة الله تعالى عليه أنه كفّ بني
إسرائيل عنه؟
وإن قال الأحمديون: بل الصلب يعني القتل،
فالله تعالى كفّ بني إسرائيل -أي بمنعهم- من قتله.
والإجابة: يقول الله تعالى: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا
الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا
صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي
شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ
يَقِينًا (157)}([2])،
لقد نفى الله تعالى القتل والصلب، فنفي القتل يكون بنفي كل صوره، ومنها نفي القتل
صلبًا، وبالتالي لا يكون الصلب إلا بمعنى التعليق على الصليب.
والمقالات التالية أثبتُ فيها بما لا يدع
مجالًا للشك أنّ الصلب ورد في القرآن وفي الأحاديث النبوية الشريفة، وأيضًا في
كلام الميرزا غلام بمعنى التعليق:
مقال
(119) هل الصلب معناه التعليق على الصليب من غير إرادة الموت عليه ؟
https://ibrahimbadawy2014.blogspot.com/2017/01/119.html
مقال
(120) ما معنى الصلب هنا في كلام الميرزا ؟
https://ibrahimbadawy2014.blogspot.com/2017/01/blog-post.html
مقال (
146) معنى الصلب التعليق و ليس القتل على الصليب عند الميرزا و هذا هو الدليل من
كلام الميرزا نفسه
https://ibrahimbadawy2014.blogspot.com/2017/03/146.html
مقال
(377) هل الصلب عند الميرزا ممكن أن يعني التعليق على الصليب من غير قتل ؟
https://ibrahimbadawy2014.blogspot.com/2020/06/377.html
والآن مع بعض الآيات القرآنية
التي استخدم الله
تعالى فيها كلمة (الكفّ) بمعنى منع الأذى.
يقول
الله تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ
هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ
عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ
الْمُؤْمِنُونَ (11)} سورة المائدة
ويقول الله تعالى: { وَعَدَكُمُ
اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ
أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ
وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (20) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا
قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (21)
وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا
يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (22) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ
قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (23) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ
وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ
عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (24) سورة الفتح
في الآيات السابقة
لم ينل المسلمون أي أذى من الكافرين، مما يؤكد أنه حينما كفّ الله تعالى أيدي أعداء
المسلمين عنهم، فقد حفظهم تماما في هذه الأحداث.
وبالنسبة
لما جاء في كلام الميرزا بخصوص معنى كلمة "كففت"، أذكر بعض النصوص:
1- بتاريخ 18/4/1905 يقول
الميرزا: "...قل عندي شهادة من الله فهل أنتم مؤمنون. كففت عن بني
إسرائيل. إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين. إني مع الأفواج آتيك
بغتة." .... سأنزل لك على الأرض، نري لك آية الزلزال، ونهدم ما يعمره
الغافلون وما سيعمرونه في المستقبل. يتضح من ذلك أنه لن يقع زلزال واحد بل ستقع
زلازل عديدة وتهدم بنايات يشيدونها بين فينة وفينة. ثم قال: سأنجّي أفراد
جماعتك المخلصين الذين هم في حكم الأبناء. ففي هذا الوحي اعتبرني الله
تعالى إسرائيل واعتبر المخلصين من جماعتي أولادي، وبذلك صاروا بني إسرائيل. ثم قال
بأني سأكشف في نهاية المطاف أن فرعون أي الذين هم على شاكلة فرعون، وهامان أي
الذين هم على شاكلة هامان ومن معهم الذين هم جنودهما كلهم كانوا خاطئين"([3]).
2- بتاريخ 14/4/1905 تحت العنوان "بنو إسرائيل من هذا الزمن" يقول
الأحمديون: "جاء الخبر من منطقة (دهرم ساله) أن جميع أفراد الجماعة
الأحمدية الساكنين فيها قد نجوا فقال عس: لقد تحقق في حقهم الوحي القائل: كففت
عن بني إسرائيل، ففي هذا العصر سمى الله تعالى هذه الجماعة الفقيرة بني
إسرائيل"([4]).
3- بتاريخ
18/3/1906م تحت العنوان "الوحي الحديث من الله تعالى"، يقول
الميرزا: "رأيت اليوم الاثنين في الرؤيا أنني جالس في غرفة في بيتي وفي يدي
فاكهة بشكل الشمام وأقشره وأريد أكله وفي هذه الأثناء رأيت محمود أحمد ومعه
إنجليزي. دخل بيتنا ووقف أولا في مكان حيث توضع جرات الماء. ثم تقدم إلى الشرفة حيث أجلس
وأعمل وكأنه يريد أن يذهب إلى الداخل ويفتش. عندها رأيت أن شخصا بملامح مير ناصر
نواب واقف أمامي وقال لي بالإشارة أن أذهب أنا أيضا إلى الشرفة لأن الإنجليزي
سيقوم بالتفتيش. وخطر ببالي أن فيها ورقتين فقط، وهما مسودة كتاب ألف حديثا، فلن
ينظر إلى هاتين الورقتين. ثم استيقظتُ ولا أدري ما هو تفسير هذا الحادث. وقبل بضعة
أيام من ذلك تلقيت إلهاما مكر المرأة ايلي ايلي لما سبقتاني. إذ كففتُ عن
بني إسرائيل. وفهمت معناها اجتهادا أن شخصا سيمكر مثل النساء سرا يمكن أن
تُرفع بسببه قضية خُدعة ولكن ستتم البراءة في نهاية المطاف. ولكن
هذا المعنى مبني على اجتهادي. ومن الممكن أن يكون لما رأيت من قبل وما رأيت الآن
معنى آخر، غير أن هذا هو المعنى الظاهري، والله أعلم. إن رؤية محمود في هذه
الرؤيا، ثم رؤية مير ناصر نواب تدل على عاقبة حسنة لأن كلمة محمود تشير إلى عاقبة
محمودة أي عاقبة هذا الابتلاء ستكون محمودة. ورؤية ناصر نواب تشير إلى أن الله
تعالى سيكون ناصرا ويبرئ الساحة من الابتلاء بنصرته وسيتحول هذا الابتلاء إلى آية
في نهاية المطاف"([5]).
4- بتاريخ 19/2/1906م يقول الميرزا: "...وإذ كففت
عن بني إسرائيل. أظن، والله أعلم، أن أحدا سيمكر بنا سرا كالنساء، أعني
أنه لن يعمل شيئًا كرجال المواقف علنًا، بل يريد إيذاءنا خفية
كالنسوان، ولكن النتيجة هي براءتنا في النهاية. هذا مجرد اجتهاد مني،
والله أعلم بالمعنى الحقيقي. هناك مكر يقوم به الرجال ومكر آخر تقوم به النساء حيث
يرتكب البعض المعصية خفية أو يهاجم كالنساء سرا. والمراد من الجملة الأخيرة
أننا نجينا بني إسرائيل من شر فرعون"([6]).
واضح من نصوص
الميرزا السابقة، أنّ كلمة "الكفّ" معناها منع الأذى، أي النجاة، فلم
يلحق بهم إلا الضيق، وهذا ما حدث لسيدنا عيسى عليه السلام ، فلم
يلحقه أذى من اليهود.
والخلاصة،
واضح معارضة الميرزا لكلام الله تعالى، فالله تعالى يؤكد أنه كفّ بني إسرائيل عن سيدنا عيسى عليه السلام، فلم يستطيعوا الوصول إليه ولا إيذائه، بينما الميرزا يصر على أنّ اليهود
تمكنوا من سيدنا عيسى عليه السلام، وقد علقوه على الصليب.
د.إبراهيم
بدوي
27/2/2026
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) يقول الميرزا غلام: " أما الآن فإن نقاشنا منحصر في أنه
بالبحث الجديد الذي تيسَّر لنا من الله لكسر الصليب قد ثبت أمران بمنتهى الجلاء،
أولهما أن المسيح لم يُرفع قط بجسمه، وليس هناك أي إثبات لهذا الرفع ولم تكن له أي
حاجة، وإنما رُفعت روحه بعد مائة وعشرين عامًا وشهد على ذلك القرآنُ الكريم، أما
في أيام الصليب فلم تُرفع حتى روحُه بل قد عاش بعد ذلك 87 عامًا أكثر، ومن خطأ
المشايخ أنهم يؤمنون بأن عيسى - عليه السلام - رُفع بجسمه عند الصليب فورًا، مع
أنهم يُقرّون من ناحية أخرى أن عيسى - عليه السلام - عاش مائة وعشرين عامًا،
فليسألْهم أحد أن تاريخ اليهود والنصارى المتواتر الذي تشهد عليه الكتب
اليونانية والرومانية أيضًا قد ثبت منها قطعًا أن عيسى - عليه السلام - قد عُلِّق
على الصليب بعمر يقارب 33 عامًا وهذا ما يُفهم من نصوص الأناجيل الأربعة،
فبأي حساب رُفع بعمر يناهز 120 عامًا؟ مع أن الرواية القائلة بأنه عاش 120 عامًا
صحيحة عند المحدثين ورواتها ثقات، وإن تحديد العمر بـ 120 أيضًا يدلُّ على أنه مات
بعد هذه المدة". كتاب (البرية) صفحة 310.
تعليقات
إرسال تعليق