مقدمة كتابي (حقيقة النسخ في القرآن الكريم)([1])
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على
أشرف المرسلين؛ سيدنا مُحَمَّد النبيّ الأمي، الذي أرسله عز وجل رحمة للعالمين، وعلى
آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، يقول الله سبحانه وتعالى: {إِنَّا
نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)}([2])، ويقول:
{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ
لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)}([3])،
فمن أهم علامات صدق سيدنا مُحَمَّد ﷺ؛ أنّ الذكر الذي أنزله سبحانه وتعالى عليه؛
تعهد الله سبحانه وتعالى بحفظه في مبناه وفي معناه، وأنه لا يوجد فيه أقل اختلاف
بين آياته، فالاختلاف الكثير لا يوجد إلا في الكتب الأخرى التي ليست من عند الله
سبحانه وتعالى، أو التي أصابها التحريف.
فقد كنتُ منشغلًا من عام 2002م بمسألة النسخ
في القرآن الكريم، وقد سجلتُ الكثير من الملاحظات في كراساتي الخاصة؛ لإثبات عدم
وجود اختلافات أو تناقضات بين الآيات التي توصف بأنها منسوخة([4])
والآيات الناسخة، ولكن انشغلت لمدة 15 عامًا، بداية من عام 2010مـ بنقد أفكار
وعقائد الطائفة الأحمدية القاديانية، وأتممتُ بفضل الله تعالى تأليف موسوعة مكونة
من ثمانية أجزاء بعنوان (حقيقة الطائفة الأحمدية القاديانية)، وقد زادت صفحات
الأجزاء الثمانية عن 3050 صفحة، فكنتُ أرى أنني بجانب ما أقوم به في نقد
القاديانية، يجب أن أبدأ بالدراسة المتأنية المحايدة، والكتابة في موضوع النسخ في
القرآن، وبالفعل بدأت من شهر سبتمبر 2025مـ.
وقد يتبادر للبعض؛ سواءّ أكانوا من
الأحمديين، أو كانوا من غيرهم، أنّ كتابي (حقيقة النسخ في القرآن الكريم)، قد جاء
تأثرًا بما تعتقده الطائفة من عدم وجود نسخ في القرآن الكريم، والحقيقة أن نبيهم
مدعي النبوة الميرزا غلام أحمد القادياني يعتقد بالنسخ بكل أنواعه في القرآن
الكريم، وقد أثبت ذلك بالأدلة من كتبهم المنشورة في الموقع الرسمي لهم، وأن الطائفة
الأحمدية تخالف نبيهم في مسألة النسخ، كما أنني صرحت كثيرًا للبعض من الأحمديين منذ
سنة 2014م؛ أنني لا أعتقد بوجود النسخ في القرآن الكريم بمعنى الإزالة، ولكن لم
يحن الوقت للكتابة فيه.
ولمّا كان منهجي في إثبات ضلال الطائفة
الأحمدية القاديانية من خلال ما استقر عندهم من أصول وقواعد للاستدلال، سواءً
اتفقنا معهم عليها أو أختلفنا، فأصول وقواعد الاستدلال هذه ملزمة لهم في إثبات
ضلالهم، فأردتُ بنفس المنهجية إثبات خطأ الاعتقاد بوجود النسخ -بمعنى الإزالة أو
المحو- لبعض الآيات القرآن، أو إلغاء حكمها.
والنسخ كمصطلح شرعي عند الأصويين؛ كما هو
مشهور عند القائلين بالنسخ في القرآن، يأتي بمعنى إلغاء حكم آية مع بقاء الآية في
المصحف، ويسمى (نسح الحكم)، أو إزالة نص آية مما أنزلها الله تعالى من القرآن
الكريم مع بقاء حكمها في الشريعة؛ ويُسمى (نسخ التلاوة)، والنوع الثالث هو إزالة
آية قرآنية أنزلها الله تعالى، ومحو حكمها أيضًا من الشريعة حيث كان يُعْمل بها لمدة
زمنية قبل محوها؛ فكأنها لم تنزل من الأصل ويسمى هذا النوع الثالث (نسخ الحكم
والتلاوة)، وسنتعرف على تفصيل كل هذا لاحقًا إن شاء الله تعالى.
والنوع الأول الذي يُنسخ فيه الحكم مع بقاء
النص متلوًا يُتَعبد بتلاوته؛ هو نوع النسخ الأكثر شيوعًا عند القائلين بالنسخ
في القرآن، وذلك لأنّ الله سبحانه وتعالى أنزل آية أخرى بعدها زمنيًّا، بِحُكمٍ
مختلفٍ يضاد حكم الآية الأولى.
يقول الشيخ أبو زهرة:
"ينقسم النَّسخُ إلى نَسخٍ صريحٍ ونَسخٍ ضمْنِيٍّ،
والصَّريحُ هو الذي يُصَرِّحُ فيه بِإنهاءِ الحُكمِ المنسوخ([5])،
والنَّسخُ الضَّمنيُّ هو أن يتعارض نصّان ولا يمكنُ التوفيق بينهما
بأن يتواردا على موضعٍ واحدٍ بالسلبِ والإيجاب، ولا يمكن التوفيق بينهما وقد علم
تاريخهما، فإنَّ المتأخرَ منهما ينهي حكمَ السابق..."([6]).
والقائلون بالنسخ بمعنى الإزالة والاستبدال؛
يعتمدون على مجموعة من الآيات القرآنية، وبعض الأحاديث والآثار في تقرير ما
يعتقدون، ومن هذه الآيات([7]):
الآية الأولى: في سورة يونس (مكية)،
ورقم السورة 51 بحسب ترتيب النزول، يقول الله تعالى: {وَإِذَا
تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ
لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ
لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا
يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)}([8]).
الآية الثانية في سورة النحل (مكية)، ورقم السورة 70 بحسب ترتيب النزول، يقول الله تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا
آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا
أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101)}([9]).
الآية الثالثة في سورة البقرة (مدنية)،
ورقم السورة 87 بحسب ترتيب النزول، يقول الله
تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ
مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
(106)}([10]).
الآية الرابعة في سورة الرعد (مدنية)، ورقم السورة
96 بحسب ترتيب النزول، يقول الله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ
وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ
بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (38) يَمْحُو
اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (39) وَإِنْ
مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا
عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (40) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي
الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ
لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (41)}([11]).
الآية الخامسة في سورة الحج (مدنية)، ورقم السورة 104 بحسب ترتيب النزول، يقول الله تعالى في سورة الحج:
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا
تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ
اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ
عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي
شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ
مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ
لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54) وَلَا يَزَالُ
الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً
أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55)}([12]).
وكان أول كتاب قرأتُه في علوم القرآن عامة،
وفي مسألة النسخ خاصة؛ هو كتاب (مناهل العرفان في علوم القرآن)([13])،
وكان ذلك أثناء دراستي بالأزهر الشريف سنة 1977م، والكتاب الثاني الذي أفادني
كثيرًا في بيان حقيقة النسخ؛ هو كتاب (قواعد الترجيح عند المفسرين)، تأليف
الشيخ حسين علي الحربي، والمؤلف لا يعارض وجود النسخ بمعنى الإزالة والمحو بكل
صوره المعروفة، ولكنه جمع من كتب التفسير المشهورة وغير المشهورة، وكتب الأصوليين
قواعدَ تساعد على تحديد الآيات المنسوخة والناسخة، ولم يتناول في كتابه إلا النسخ
بمعنى الإزالة والحذف لحكم الآية في الشريعة مع بقائها في المصحف.
والكتاب الثالث؛ كتاب (حقائق وشبهات حول
معنى النسخ في القرآن الكريم) تأليف أ.د.محمد عمارة رحمة الله تعالى عليه،
والمؤلف أيضًا خصّص كتابه لمناقشة نسخ الحكم مع بقاء التلاوة، وهو يُنكر بالأدلة
وجود كل أنواع النسخ في القرآن الكريم، وجاء بآراء وقواعد لكثير من المفسرين
والأصوليين في إثبات ما يعتقده.
والكتاب الكبير الذي أقوم في الوقت الحالي بدراسته
والاستفادة منه؛ كتاب (النسخ في القرآن الكريم؛ دراسة تشريعية تاريخية نقدية) تأليف
د.مصطفى زيد([14])،
والمؤلف لا ينكر النسخ من ناحية الجواز العقلي، كما أنه لا ينكر وقوع النسخ بالفعل
في القرآن الكريم وفي السُنّة، ولكنه ينكر النسخ من النوع الثاني؛ وهو نسخ التلاوة
مع بقاء الحكم.
ومن الكتب الأخرى التي قمت بدراستها كتاب
(نواسخ القرآن) تأليف ابن الجوزي، وكتب أخرى للدكتور عبد المتعال الجبري، والدكتور
أحمد حجازي السقا وغيرهما.
وكان من أهم قواعد الترجيح التي ذكرها الشيخ
حسين علي الحربي في موضوع النسخ؛ القاعدة التي تقول: "لا تصح دعوى
النسخ في آية من كتاب الله تعالى إلا إذا صحّ التصريح بنسخها أو انتفى حكمها من كل
وجه"([15])،
فإذا رأينا الآية التي يقال إنها منسوخة، ولم ينتفِ حكمها من كل وجه، فلا يصح أن
نقول إنها منسوخة، ويضيف الشيخ حسين الحربي: "...ويدخل تحت هذه القاعدة
القواعد التالية: أولًا إذا وقع التعارض بين احتمال النسخ واحتمال
التخصيص، فالتخصيص أوْلى. الثانية: إذا وقع التعارض بين النسخ
والإضمار فالإضمار أوْلى. الثالثة: إذا وقع التعارض بين النسخ
والاشتراك فالاشتراك أوْلى. الرابعة: إذا وقع التعارض بين النسخ
والمجاز فالمجاز أوْلى. الخامسة: إذا وقع التعارض بين النسخ والنقل
فالنقل أوْلى.
ويقول د.محمد عمارة في مقدمة كتابه:
"...فلقد أبدع المسلمون لفقه هذا القرآن مجموعة من العلوم اسموها "علوم
القران"، شملت - ضمن ما شملت: الوحي به..والتدوين له..والجمع لآياته
وسوره..والقراءة والتلاوة المجودة لحروفه وكلماته..وكل ما تعلق بخطه ونطقه من ترقيم
وفهرسة وتنظيم..إلخ..إلخ.. ولقد كان من بين هذه العلوم -علوم القران الكريم–
"علم" أثار -ولا يزال يثير- الكثير من الجدل والاختلاف والخلاف، ألا وهو
(علم النسخ والناسخ والمنسوخ).. ولقد استمر هذا الجدل وهذا الخلاف حول: معنى النسخ
ومفهومه؟.. وحول جوازه([16])
عقلًا وعدم جوازه؟.. وحول حدوثه أو عدم حدوثه في القران الكريم؟ وحول قِلته
وكثرته في آيات القرآن، والأحكام التي جاءت بها هذه الآيات؟ وحول تحديد الناسخ
والمنسوخ في هذه الآيات والأحكام؟..إلخ..إلخ.. حتى شهد الاستقراء بأنه لم يحدث
إجماع على أية جزئية من جزئيات هذا "العلم" ومحاوره وقضاياه عبر تاريخ
الإسلام !!.."([17]).
ويقول أيضًا د.محمد عمارة: "فمنذ عصر
التدوين للعلوم الإسلامية حفظ لنا "تاريخ الفكر" أنّ هناك من رَفَضَ
وقوع النسخ - بمعنى الإزالة والإبطال - لأي من آيات القرآن وأحكامه.. ثم شهدت قرون
التاريخ بأنّ هناك من رأى وقوع النسخ - بهذا المعنى- في القرآن الكريم.. وعبر قرون
هذا التاريخ، اختلف العلماء حول معنى النسخ ومفهومه، وهل هو: تخصيص للعام؟
..وتقييد المطلق .. وبيان للمبهم؟.. وتفصيل للمجمل؟..وتأقيت لغير المؤقت من
الأحكام؟.أم أنه المحو والإبطال والإزالة والإعدام والتغيير والتبديل في
الآيات والأحكام؟..أي أنّ الخلاف قد تمحور حول: هل النسخ يعني رفع الحكم الذي جاء
به القرآن؟ أم أنه رفع لتعلق الحُكم - الخالد الثابت الدائم - بالمكلَّف،
لتغيرات حدثت وتحدث للمكلَّفين، من قِبَل هؤلاء المكلَّفين، استدعت حكمًا آخر، مع
بقاء الحكمين - الأول والثاني - يعمل كل منهما عند توافر شروط إعماله، وتعلقه
بالمكلَّفين؟..."([18]).
ويقصد أ.د.محمد عمارة أنّ الحكم الأول([19])
الذي نزل في زمن محدد، وكان مناسبا لمُكَلّف في حال وظروف معينة، فإذا حدثت بعض
التغيرات بعد زمن لاحقٍ في حال المُكَلّف مثل الضعف بعد القوة، فينزل حكمًا جديدًا([20])
يناسب التغيرات التي طرأت، وهذا لا يمنع أنه إذا عادت الظروف التي كانت في الزمن
الأول، أي عودة القوة بعد الضعف الذي طرأ سابقًا، أن يحتكم الناس إلى الحكم الأول؛
أي ما يُوصف بأنه منسوخ.
وأحبُّ أن أذكر نصوصًا مهمة لفضيلة الشيخ ابن
تيمية([21])
وقد نقل بعضها الشيخ حسين علي الحربي؛ حيث يقرّ فيه الشيخ بن تيمية أنه قد تَنْزِلُ
آية قرآنية لاحقة لبيان أنّ ما فهمه بعض الناس من دلالات آية سابقة من
القرآن الكريم لم يكن هو مراد الله تعالى، وليس في الآيات اختلاف وتضاد،
وبالتالي ينتفي النسخ بين الآيات، يقول الشيخ حسين الحربي: "...كان
للصحابة والتابعين اصطلاح خاص في مسألة النسخ، فمفهوم النسخ عندهم أعمّ([22])
من مفهومه عند الأصوليين والفقهاء والمحدِّثين، وما استقر عليه الأمر بعد ذلك في
هذا المصطلح. فكل تغيير في أحوال النص اعتبره السلف نسخًا، سواء أكان رفع حكم
ليحل آخر مكانه، أو تخصيص عام، أو تقييد مطلق، أو تبيين مجمل، أو استثناء، أو رفع
ظن في دلالة الآية على معنى([23]). كل ذلك عندهم
داخل في مفهوم النسخ"([24])..قال
شيخ الإسلام ابن تيمية: "و(فصل الخطاب): أنّ لفظ (النسخ) مُجْمَل، فالسلف
كانوا يستعملونه فيما يظن دلالة الآية عليه، من عموم أو إطلاق أو غير ذلك،
كما قال من قال: إن قوله: {اتقوا الله حق تقاته}([25])، و{وجاهدوا في
الله حق جهاده}([26])،
نُسِخ بقوله: {فاتقوا الله ما استطعتم}([27])، وليس بين
الآيتين تناقض، لكن قد يفهم بعض الناس من قوله {حقَّ تُقاته} و{حقَّ
جهاده} الأمرَ بما لا يستطيعه العبد، فينسخ ما فهمه هذا، كما ينسخ الله ما
يُلقي الشيطان، ويحكم الله آياته. وإن لم يكن نسخ ذلك نسخَ ما
أنزله، بل نسخ ما ألقاه الشيطان، إما من الأنفس أو من الأسماع أو من
اللسان. وكذلك ينسخ الله ما يقع في النفوس من فهم معنى([28])،
وإن كانت الآية لم تدل عليه، لكنه محتمل؛ وهذه الآية من هذا الباب؛ فإنّ
قوله..{وإن تُبدوا ما في أنفسكم} الآية، إنما تدل على أن الله يُحاسب بما في
النفوس، لا على أنه يُعاقب على كل ما في النفوس، وقوله..{لِمَن يشاء} يقتضي
أن الأمر إليه في المغفرة والعذاب، لا إلى غيره([29]).
ويضيف ابن تيمية بيانًا لمعنى النسخ عند السلف،
ورأيه في نسخ الآية {لِلَّهِ
مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي
أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ
يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284)}([30])
فيقول: "...ولما كان
تصرّفه شرطًا في خلقه لا يخرج عن العدل والإحسان، وهو تصرّف بخلقه وأمره، وأخبر أن
ما في السماوات وما في الأرض ملكه، فما تصرّف خلقًا وأمرًا إلا في ملكه الحقيقي،
وكانت سورة البقرة مشتملة على مشتملات من الأمر والخلق على ما لم يشتمل عليه سورة
غيرها، أخبَرَ أنّ ذلك صدر منه في ملكه. قال تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ
أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ}([31])،
فهذا متضمن لكمال علمه سبحانه وتعالى بسرائر عباده وظواهرهم، وأنه لا يخرج شيء من
ذلك عن علمه، كما لم يخرج شيء ممن في السماوات والأرض عن ملكه، فعلمه عام وملكه
عام. ثم أخبر عن محاسبته
لهم بذلك، وهي تعريفهم ما أبدوه أو أخفوه، فتضمن ذلك علمه بهم
وتعريفهم إياه. ثم قال: {فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ
يَشَاءُ}، فتضمن ذلك قيامه عليهم بالعدل والفضل؛ فيغفر لمن يشاء فضلًا، ويعذب من
يشاء عدلًا، وذلك يتضمن الثواب والعقاب المستلزم للأمر والنهي، المستلزم للرسالة
والنبوة...فتضمنت الآية هذه المعارف كلها بأوجز عبارة، وأفصح لفظ، وأوضح معنى.
وقد عُرف بهذا أن الآية لا تقتضي
العقاب على خواطر النفوس المجردة، بل إنما تقتضي محاسبة الرب عبده بها([32])،
وهو أعم من العقاب، والأعم لا يستلزم الأخص. وبعد
محاسبته بها يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء. وعلى هذا فالآية محكمة لا نسخ فيها،
ومن قال من السلف: "فنسخها ما بعدها"، فمراده بيان معناها والمراد
منها، وذلك يسمى نسخًا في لسان السلف، كما يسمون الاستثناء
نسخًا"([33]).
ويؤكد ابن تيمية في صفحة 83 معنى النسخ الذي
قال به ابن عباس رضي الله عنهما فيقول: "ثم قال تعالى: {لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها}([34])،
فنفى بذلك ما توهموه من أنه يعذبهم بالخطرات التي لا يملكون دفعها،
وأنها داخلة تحت تكليفه، فأخبرهم أنه لا يكلفهم إلا وسعهم، فهذا هو البيان الذي
قال فيه ابن عباس وغيره: "نسخها الله عنهم بقوله: {لا يكلف الله نفسًا
إلا وسعها}"، وقد
تضمن ذلك أن جميع ما كلفهم به أمرًا ونهيًا فهم مطيقون له، قادرون عليه، وأنه لم
يكلفهم ما لا يطيقون، وفي ذلك رد صريح على من زعم خلاف ذلك"([35]).
إذن ابن تيمية يرى أنّ الآية المتأخرة زمنًا([36])
[التي يقال إنها ناسخة] جاءت لبيان المراد من آية سابقة عليها في الزمن([37])
[أي التي يقال إنها منسوخة]، فالسلف كانوا يستعملون كلمة النسخ فيما يرون أنه يبيّن
دلالة الآية، أي أنّ الآية اللاحقة نسخت الآية السابقة؛ بمعنى أنها بيّنت المراد
من الآية الأولى، ولم يكن كل استعمالهم لكلمة النسخ بمعنى إزالة أو إلغاء لحكم
الآية المنسوخة.
والذي يؤكد أنّ كلمة (النسخ) كانت تستخدم
بمعنى بيان الدلالة المرادة من الآية، وليس حذفًا أو إلغاءً لحكم الآية المنسوخة،
أنّ ابن حزم الأندلسي ذكر في كتابه([38]) أنّ كلمةً أو تعبيرًا متأخرًا في
آية من آيات سورة المزمل([39]) نَسَخَت كلمةً أو تعبيرًا متقدمًا
في نفس الآية؛ مع أنه لا فارق زمني بين التعبير أو الكلمة الناسخة؛ والتعبير أو
الكلمة المنسوخة في نفس الآية، فقال بخصوص الآية {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1)
قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ
انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3)}: "إنّ كلمة {قليلًا} نسخت كلمة {الليل} في نفس الآية"،
ومعلوم -كما سنرى لاحقًا- أنّ الاستثناء عند الأصوليين ليس من النسخ، إذن قَصَدَ
ابن حزم أنّ التعبير {إِلَّا قَلِيلًا} بيّن ما هو المقصود بمدة
قيام الليل، هل المقصود بكلمة الليل قيام الليل كله؟ أم بعضه؟ أم النصف؟ أم أغلبه؟
فالتعبير {إِلَّا قَلِيلًا} بيّن أنّ المقصود ليس قيام الليل كله، وإنما
بيّن بالاستثناء؛ أنّ الله تعالى لا يقصد كل الليل، وسنرى لاحقًا أنّ الاستثناء
ليس من صور النسخ بحسب التعريف الأصولي للنسخ، إذن لا نسخ في الآية بمعنى الإزالة
أو الإلغاء، ويضيف ابن حزم فيقول: "والقليل بالنصف"، أي أنّ التعبير {إلا
قليلًا} السابق، نسخته كلمة {نصفه}؛ أي بيّنت أنّ المقصود هو قيام
نصف الليل، أو كما سنرى أنّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم الاختيار بين ما سيذكره
الله تعالى من النصف أو أقل منه أو بالزيادة عليه، ويقول ابن حزم: "والنصف
بقوله تعالى: {أو انقص منه}؛ أي إلى الثلث"، أي أنّ الجملة {أو انقص منه} نَسَخَت
كلمة {النصف} إلى الثلث، إذن لم يقصد ابن حزم النسخ بمعنى الإزالة، وإنما بمعنى
بيان أنّ سيدنا مُحَمّدًا صلى الله عليه وسلم مخير بين أن يقيم أغلب الليل أو نصفه
أو أقل من النصف أو زيادة على النصف، وكل ذلك بحسب الاستطاعة، واستكمالًا لمسألة
النسخ في سورة المزمل، فقد قال ابن حزم إنّ الآية الأخيرة من السورة {إِنَّ
رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ
وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ
وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا
تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ
يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ
يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا
الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا
تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا
وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (20)
مدنية، وقد نَسَخَت الآيات الأولى من السورة التي تكلمت على مدة القيام النصف أو
أقل أو زيادة على النصف، حيث جاء في الآية الأخيرة أنّ الله سبحانه وتعالى تاب عن
النبيّ والمسلمين بسبب أنّهم أصبحوا بين مريض؛ أو ضارب في الأرض يطلب فضل الله؛ أو
مجاهد بالقتال في سبيل الله تعالى، فأصبح قيام الليل بما تيسر من القرآن، والحقيقة
أنه لا يوجد نسخ في الآيات بمعنى الإزالة وإلغاء الأحكام كما يرى الأصوليون، بل سمح
الله سبحانه وتعالى بتخفيف القيام بقراءة ما تيسر من القرآن، وهذا لمن ذكرهكم الله
تعالى في الآية الأخيرة، وأما من لم يكن من هذه الأصناف، فيُسَن له قيام الليل بما
يستطيع، وأما بالنسبة لسيدنا مُحَمّد صلى الله عليه وسلم فالأرجح أنّ قيام الليل
فرض عليه إذا لم يكن من الأصناف المشار إليها في الآية الأخيرة.
إذن كان النسخُ في عرف ولسان السلف يستخدم لبيان
ما تدل الآية عليه، حينما يلتبس على الناس مراد الله تعالى من الآية المنسوخة،
ومعنى النسخ عند السلف لم يخرج عن المعنى اللغوي للنسخ، حيث يقال في بيان معنى
النسخ "نَسَخت الشمس الظل"، فيكون معنى النسخ هنا إزالة الظلمة وعدم
الوضوح بسبب عدم وجود الشمس، فلما بزغت الشمس أزالت الظلمة والإبهام؛ فظهرت
الأشياء بوضوح بعد أن كانت مخفية تمام أو نسبيًّا بسبب الظلمة، فحينما وصف السلف
الاستثناء من العموم نسخًا؛ فهذا لا يتعارض مع معنى النسخ بالبيان وتوضيح المراد
من الألفاظ.
وأما بالنسبة لعدد الآيات المنسوخة يقول
د.محمد عمارة: "ورغم ما يطالعه المرء في بعض ما صنف في الناسخ والمنسوخ، من
تضييق لنطاقه حتى وقف به عند (6) آيات من بين آيات القرآن الكريم البالغة (6236)
آية.. وما بين متوسع فيه، حتى بلغ (281) آية من آيات القران الكريم .. وبين هذين
الرقمين هناك من جعل مواطن النسخ (214).. ومن جعلها (134) .. ومن جعلها (213)..
ومن جعلها (247).. ومن جعلها (66).. ومن جعلها (20).."([40]).
وهذا الاختلاف الكبير فيما قاله العلماء
بخصوص أعداد الآيات المنسوخة، يدل على أنّ اعتبار بعض الآيات القرآنية منسوخة لم
يكن بدليل قطعي لا يمكن نقضه، وإنما كانت محاولات اجتهادية للفهم من القائلين
بالنسخ للآيات القرآنية.
أما بالنسبة للأحاديث التي تكلمت على النسخ
فيقول د عمارة: "...ورغم ما يبدو من تهافت شديد لكثير من الروايات التي أسرفت
في الحديث عن الناسخ والمنسوخ - والتي لم تصح منها رواية واحدة -
ولم يتم الاتفاق على قبول إحداها.. ولا الاتفاق على الرفض لواحدة منها.. أي لم
يحدث حول أي منها إجماع.. ورغم الآثار الواضحة للوضع والدسّ والغفلة والتدليس في
الكثير من هذه الروايات .. ورغم التعارض البيّن بين كثير من هذه الروايات وبين
منطق الإعجاز القرآني الذي أفاضت فيه واستفاضت به آيات القرآن المحكمات. رغم كل
ذلك – وأمثاله- فلقد ظلّ هذا الاختلاف قائمًا في إطار (الواقع المتعارف عليه) في
مثل هذا الميدان... فالإسلام دين لا كهانة فيه، وليست فيه سلطة كهنوتية معصومة
تمنع التعددية - حتى ولو شذت - في الآراء والأفكار والاجتهادات...وهكذا بقي الحديث
عن النسخ والناسخ والمنسوخ - في تراثنا (واقعًا)، رغم ما فيه من غرابة كثيرة وشذوذ
واضح وتخليط كبير..وبقي الموقف منه متراوحًا بين القبول .. والتحفظ ..والنقد..
والرفض الشديد"([41]).
ويقول د.محمد عمارة: "وفي العصر
الحديث..وعندما تبلورت مدرسة الإحياء والتجديد الديني حول رائدها الأستاذ الإمام
الشيخ محمد عبده (1266–1323هـ / 1849–1905م).. وعندما قدم هذا الإمام العظيم
منهاجًا فريدًا في تفسير القرآن الكريم – وهو المنهاج الذي قال عنه الإمام الشيخ
محمد البشير الإبراهيمي([42]):
"إنه المنهاج المعجزة في التفسير..المفسِّر لمعجزات القرآن، وليس فقط لآيات
القرآن"([43]).
عندما بدأ هذا الطور من أطوار التجديد والإحياء الإسلامي علت أصوات أعلام علماء
هذه المدرسة برفض حدوث أي نسخ – بمعنى المحو والإزالة والإبطال والتغيير والتبديل
– في آيات القرآن الكريم، وفي الأحكام التي جاءت بها هذه الآيات.. وكتب هؤلاء
العلماء – في هذا الباب – الدراسات التي وفَّقَت بين الآيات التي ادُّعي أن النسخ
قد حدث فيها..ولقد كان طبيعيًّا ومنطقيًّا أن يكتفي «العقل المسلم المعاصر» بما
كتب هؤلاء العلماء الأجلاء… وأن يواصل هذا العقل مسيرته من حيث انتهى هؤلاء
الأعلام..لكن…أن تتخصص «فضائيات نصرانية» – مدعومة من دوائر الهيمنة والتشكيك
والتفكيك الصهيونية والصليبية الغربية – في بعث ركام المرويات القديمة الواهية
والمتهافتة حول الناسخ والمنسوخ، لتتخذ منها ثغرات للطعن في مصداقية القرآن
الكريم، وحفظه حفظًا إلهيًّا… وأن تحاول هذه «الفضائيات» تشكيك المسلمين في كتابهم
ودينهم، تمهيدًا لتنصيرهم – حتى لقد ألحَّ عليَّ كثيرون – منذ سنوات – أن أتصدى
لهذا الذي تنفثه هذه «الفضائيات»، لما سموه – بحق – «فتنة الناسخ والمنسوخ»([44])!
إذن النسخ كما رأينا في كلام ابن تيمية كان
بسبب توهم دلالة غير مرادة للآية المنسوخة، أو توهم الاختلاف والتعارض عند بعض
المسلمين بين بعض الآيات القرآنية([45])،
فقالوا بالنسخ كَحَلٍ لما رأوه من اختلاف وتناقض، وفي المقابل نجد في كتاب الله
سبحانه وتعالى نفيًّا وإنكارًا لوجود أي اختلاف وتناقض في كلام الله تعالى، حيث لا
يوجد هذا الاختلاف والتناقض إلا في كلام البشر.
يقول الله سبحانه وتعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا
الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)}([46])،
فالحفظ يكون في المبنى والمعنى، فكيف نقبل أنّ هناك آيات قرآنية نزلت على سيدنا
مُحَمّد صلى الله عليه وسلم ثم حُذِفَت من المصحف مع بقاء حكمها؟ فلماذا إذن حُذِفَت
طالما حكمها باق؟ ويقول الله تعالى أيضًا: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ
وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا
(82)}([47])، فالاختلاف لا يكون
في كلام الله تعالى ولو كان قليلًا، بينما الذين يقولون بالنسخ في آيات القرآن يقرّون
بوجود الاختلافات والتناقضات الكثيرة بين الآيات الناسخة والآيات المنسوخة، ويقول
تعالى أيضًا: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ
لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا
مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)}([48])،
فهل الاختلاف والتناقض بين الآيات ليس من الباطل الذي نفاه الله سبحانه وتعالى عن
القرآن الكريم؟
وفي كتابي اللاحق بعون الله تعالى بعنوان
(حقيقة النسخ في القرآن) سوف أخصص الباب الأول لدراسة وجمع القواعد والأصول
المتعلقة بالنسخ؛ سواءً أكانت من كتاب (قواعد الترجيح عند المفسرين)، أو كانت من غيره
مثل كتاب (حقائق وشبهات حول معنى النسخ في القرآن الكريم)، أو من كتاب د.مصطفى
زيد، أو من غيرهم، كما سأقوم في الباب الأول بدراسة الآيات القرآنية والأحاديث
التي استدل بها القائلون بالنسخ -بمعنى ىالمحو والإزالة- لإثبات الوقوع الفعلي للنسخ.
وسوف أخصص الباب الثاني لدراسة كافة الآيات
التي قيل إنها منسوخة، وذلك بتطبيق القواعد والأصول التي تمت دراستها في الباب
الأول، فإذا ثَبَتَ أنّ هذه الآيات لم يَرِد التصريح بنصّ صريح بنسخها، أو لم
ينتفِ حكمها من كل وجه، فسوف يسقط تلقائيًّا الادِّعاء بنسخها، وتبقى الآية مُحْكَمة.
وقبل الانتهاء من المقدمة، أحب أن أنقل
مقدمة كتاب (نواسخ القرآن) تأليف ابن الجوزي، لما فيها من الفوائد الكثيرة، ومنها
إقراره أنّ بعض المفسرين تجاوزوا كثيرًا في النقل عن سابقيهم من العلماء الادعاء
بأنّ الكثير من الآيات منسوخة، ولم تكن كذلك.
يقول ابن الجوزي: "...أما بعد: فإن نفع
العلم بدرايته لا بوراثته وبمعرفة أغواره لا بروايته وأصل الفساد
الداخل على عموم العلماء تقليد سابقيهم، وتسليم الأمر إلى معظميهم، من غير بحث عما
صنفوه ولا طلب للدليل عما ألفوه. وإني رأيت كثيراً من المتقدمين على كتاب
الله عزوجل بآرائهم الفاسدة، وقد دسوا في تصانيفهم للتفسير أحاديث باطلة وتبعهم
على ذلك مقلدوهم، فشاع ذلك وانتشر، فرأيت العناية بتهذيب علم التفسير عن الأغاليط
من اللازم...ثم إني رأيت الذين وقع منهم التفسير صحيحاً قد صدر عنهم ما هو أفظع
فآلمني وهو الكلام في الناسخ والمنسوخ، فإنهم أقدمواعلى هذا العلم فتكلموا فيه،
وصنفوه، وقالوا بنسخ ما ليس بمنسوخ، ومعلوم أن نسخ الشيء، رفع حكمه وإطلاق
القول برفع حكم آية لم يرفع جرأة عظيمة. ومن نظر في كتاب (الناسخ
والمنسوخ) للسدّي([49]) رأى من (التخلط) العجائب، ومن قرأ في
كتاب هبة الله([50]) المفسر رأى العظائم. وقد تداوله الناس
لاختصاره، ولم (يفهموا) دقائق أسراره فرأيت كشف هذه الغمة عن الأمة ببيان إيضاح
الصحيح، وهتك ستر القبيح، متعيناً على من أنعم الله عليه بالرسوخ في العلم
وأطلعه على أسرار النقل، واستلب زمامه من أيدي التقليد فسلمه إلى يد الدليل فلا
يهوله قول معظم، فكيف بكلام جاهل مبرسم.و قد قدمت أبواباً قبل الشروع في بيان
الآيات هي كالقواعد والأصول للكتاب ثم أتيت بالآيات المدعى عليها النسخ على ترتيب
القرآن إلا أني أعرضت عن ذكر آيات أدعي عليها النسخ من حكاية لا تحصل إلا تضييع
الزمان أفحش تضييع كقول السدّي: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ}([51]) نسخها {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ
أَمْوَالَكُمُ}([52]) وقوله: {وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ
أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ}([53]) نسخها {قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ
كَرْهاً}([54]) وقوله: {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ
الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ}([55]) نسخها {أَوْ آخَرَانِ مِنْ
غَيْرِكُمْ}([56]) وقوله: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ
مَوْلاهُمُ الْحَقِّ}([57]) نسخها {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ
مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا}([58]) وقوله: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ}([59])
نسخها {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ}([60]) في نظائر كثيرة لهذه الآيات، لا أدري
أي الأخلاط الغالبة حملته على هذا التخليط. فلما كان مثل هذا ظاهر الفساد،
وريت عنه غيرةً على الزمان أن يضيع، وإن كنت قد ذكرت مما يقاربه طرفاً، لأنبه
بمذكوره على مغفله،...ولما رأيت المصنفين في هذا العلم، قد تباينوا، فمنهم من أطال
بما لا حاجة بمثل هذا التصنيف إليه، ومنهمِ من قلد القائلين ولم يحكم على
الاختلاف ببيان الصواب، منهم من نقص بحذف ما يحتاج إليه أتيتك بهذا الكتاب
متوسطاً، وحذفت كثيراً من الأسانيد الطرق خوف الملل والله ولي التوفيق"([61]).
والخلاصة في هذا
البحث: سوف أبذل جهدي بعون الله تعالى لإثبات أنّ للآيات التي يُدّعَى عليها
بالنسخ، أن هناك ولو وجه واحد محتمل ومعتبر يمكن تفسير الآية به، وبالتالي لا يصح
الادعاء بالنسخ عليها، وإذا كان هناك تعارض بين احتمال النسخ واحتمال التخصيص، فالتخصيص
أولى، وإذا كان هناك تعارض بين احتمال النسخ والإضمار فالإضمار أوْلى، وإذا
كان هناك تعارض بي النسخ والاشتراك فالاشتراك أوْلى، وإذا كان هناك تعارض بين
النسخ والمجاز فالمجاز أوْلى، وإذا كان هناك تعارض بين النسخ والنقل فالنقل
أوْلى.
وأخيرًا، لم أبدأ في الكتابة في موضوع النسخ إلا
من بعد استخارة الله سبحانه وتعالى، فمرتان بعد صلاة الاستخارة أرى في المنام رؤى
مبشرة، فرأيت في المرتين أنني أسير في رحلة طويلة، وكان يرافقني في المرتين زميل
الدراسة الدكتور عماد الدين توفيق ميكائيل عبد الغني سرور، ابن أحد شيوخي؛ الشيخ
والمفتش الأزهري توفيق سرور رحمة الله عليه، ومعلوم في تأويل الرؤى دلالة أسماء
الأشخاص الذين نراهم في الرؤى، وكأنّ الله سبحانه وتعالى يريد أن يبشرني بأنّ ما
سأقوم به في رحلتي في الكتابة في موضوع النسخ هو عماد الدين، وبتوفيق الله سبحانه
وتعالى، وأنّ هذا العمل فيه غَنَاء وخير كثير، وأنّ هذا العمل سيتسبب في سروري
وسرور المسلمين، وأسأل الله سبحانه وتعالى ألا يقبضني إلا بعد الانتهاء من هذا
البحث.
د.إبراهيم أحمد علي بدوي
عضو اتحاد الكتّاب العرب
وعضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية
3/6/2026
([4]) كما سنرى بإذن الله تعالى أنّه لكي يُقال بالنسخ في الأحكام
-بالتعريف الأصولي- فلا بد من توفر أكثر من شرط؛ منها التعارض بين الآية الناسخة
والمنسوخة، فلا يمكن الجمع بين الآيتين إلا بالنسخ، وأنّ الآية الناسخة لا بد أن
تلي الآية المنسوخة زمنًا.
([5]) يقول الشيخ أبو زهرة: "مثلَ قولهِ صلّى الله عليه وسلّم
"كنتُ نهيتُكم عن زيارةِ القبور ألا فزوروها"، ومن النَّسخِ الصَّريحِ
قولهُ في نسخِ الاتجاهِ إلى بيتِ المقدس".
([13]) كتاب (مناهل العرفان في علوم القرآن)، تأليف الشيخ محمد عبد
العظيم الزرقاني الأزهري، وقد قرأتُ هذا الكتاب أثناء دراستي في الأزهر الشريف.
([14]) الدكتور مصطفى السيد بدر زيد باحث مصري في
الشريعة وعلوم القرآن، وُلد سنة 1917م، وتخصص في الدراسات الإسلامية، وتولى رئاسة
قسم الشريعة بكلية دار العلوم، عُرف بعنايته بقضايا التشريع القرآني وأصول الفقه،
واشتهر خصوصًا بكتابه الكبير: «(النسخ في القرآن الكريم: دراسة تشريعية تاريخية
نقدية)، وهو من أهم الدراسات الحديثة في موضوع الناسخ والمنسوخ.
([16]) يجوز في غير القرآن، لأنّ القرآن كلام الله القديم، غير المخلوق،
بينما السُنّة ليست من كلام الله القديم، وإنْ كانت من الوحي.
([17]) كتاب (حقائق وشبهات حول معنى النسخ في القرآن الكريم)
تأليف أ.د.محمد عمارة رحمة الله تعالى عليه صفحة 12.
([18]) كتاب (حقائق وشبهات حول معنى النسخ في القرآن الكريم)
تأليف أ.د.محمد عمارة رحمة الله تعالى عليه صفحة 13.
([22]) أي يشمل -كما سنرى- البيان لما أُبْهِم من دلالة الآية المنسوخة،
أو يشمل الادعاء بانتفاء حكم الآية المنسوخة.
([28]) أفهمُ من كلام ابن تيمية؛ أنه يرى أنّ إلقاء الشيطان الذي ينسخه
الله تعالى بعد ذلك؛ لم يكن بإضافة كلام من الشيطان لكلام الله تعالى، ولكن ألقى
الشيطان في النفوس فهمًا غير صحيح للآيات القرآنية، فينسخُ الله تعالى هذا الفهم
الخطأ بأن يُنزل الله تعالى آيات إضافية تبيّن حقيقة مراد الله تعالى من الآيات
التي فُهِمت بالخطأ، أو على غير مراد الله تعالى، وإن كانت محتملة.
([32]) الحديث التالي الصحيح في البخاري يوضح ما يقصده ابن تيمية في
الفرق بين المحاسبة والعقاب:
"بينَما
أنا أمشي مع ابنِ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنهما آخِذٌ بيَدِه، إذ عَرَضَ رَجُلٌ، فقال:
كيفَ سَمِعتَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ في النَّجوى؟ فقال:
سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: إنَّ اللهَ يُدني المُؤمِنَ
فيَضَعُ عليه كَنَفَه ويَستُرُه، فيَقولُ: أتَعرِفُ ذَنبَ كَذا؟ أتَعرِفُ ذَنبَ
كَذا؟ فيَقولُ: نَعَم، أي رَبِّ، حتَّى إذا قَرَّرَه بذُنوبِه، ورَأى في نَفسِه
أنَّه هَلَك، قال: سَتَرتُها عليك في الدُّنيا، وأنا أغفِرُها لك اليَومَ، فيُعطى
كِتابَ حَسَناتِه، وأمَّا الكافِرُ والمُنافِقونَ، فيَقولُ الأشهادُ: {هؤلاء
الذينَ كَذَبوا على رَبِّهم ألا لَعنةُ اللهِ على الظَّالِمينَ} [هود: 18]، خلاصة
حكم المحدث: [صحيح]، الراوي: عبدالله بن عمر، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح
البخاري، الصفحة أو الرقم: 2441 التخريج: أخرجه مسلم (2768) باختلاف يسير.
([40]) كتاب (حقائق وشبهات حول معنى النسخ في القرآن الكريم)
تأليف أ.د.محمد عمارة رحمة الله تعالى عليه صفحة 13.
([43]) وفي الحاشية: البشير الإبراهيمي، الآثار الكاملة، (2/52) جمع
وتقديم: د. أحمد طالب الإبراهيمي، بيروت (1997).
([45]) كما رأينا في توهم التعارض بين الآيات {اتقوا الله حق تقاته}،
و{وجاهدوا في الله حق جهاده}، و{فاتقوا الله ما استطعتم}.
([49]) أما السدّي؛ فهو: إسماعيل بن عبد الرحمن المتوفى سنة: (281هـ)
صاحب التفسير والمغازي، والسير، وهو ثقة عند مسلم وأصحاب السنن الأربعة،
بدليل أنهم أخرجوا له، وكذلك ابن حبان فقد ذكره من الثقات، وقال حسين بن واقد:
"سمعت السدي فأقمت حتى سمعته يتناول أبا بكر وعمر فلم أعد إليه". وحكي
عن أحمد: "أنه ليحسن الحديث إلا أن هذا التفسير الذي يأتي به قد جعل له
اسناداً واستكلفه". وقال الطبري: "إنه لا يحتج بحديثه". وأما كتاب
السدي المذكور، فلم أعثر عليه بعد. انظر: التهذيب1/ 313؛ والجرح والتعديل2/ 184 -
185.
([50]) هو: هبة الله بن سلامة بن نصر بن علي أبو القاسم الضرير، مفسر من
أهل بغداد وكان له حلقة في جامع المنصور، وله مؤلفات عديدة منها: الناسخ والمنسوخ
في القرآن الذي أشار إليه المؤلّف. وطيع بمصر سنة: 1387هـ. توفي رحمه الله سنة:
(410هـ). انظر: تأريخ بغداد14/ 170؛ وشذرات الذهب3/ 192، والأعلام 9/ 59.
([61]) كتاب (نواسخ القرآن) صفحة 101.
الكتاب: نواسخ القرآن = ناسخ القرآن
ومنسوخه، المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي
(المتوفى: 597هـ)، تحقيق: محمد أشرف علي المليباري، وأصله رسالة ماجستير - الجامعة
الإسلامية - الدراسات العليا - التفسير - 1401هـ، الناشر: عمادة البحث العلمي
بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، عدد الأجزاء: 1،
الطبعة: الثانية، 1423هـ/2003م.
مقدمة كتابي (حقيقة النسخ في القرآن الكريم).
https://ibrahimbadawy2014.blogspot.com/2026/06/blog-post.html
نسال الله لك السداد والتوفيق وان يجعل عملك خالصا له سبحانه ويكون سببا لك وللآخرين في معرفة الله وان يمنن علينا وعليكم بفضله العظيم
ردحذف